ابن هشام الأنصاري

22

شرح قطر الندى وبل الصدى

وهو يمدك برؤية تحليلية عن واقع الأمة ، وما تعانيه من عجز عن اللحاق بركب التقدم ، وتبوّء المكانة التي تلائم إمكاناتها والأمانة التي حملت إياها في مقال مجمل وإن كان جامعا ؛ فيقول : « مضى على الشرق الإسلامي حين من الدهر كان سيف الاستعمار مصلتا فوق رقاب أهله : يرهبهم ويخيفهم ، ويستأثر دونهم بخيرات بلادهم ، ويلفتهم عن السعي المثمر ، ويحول بينهم وبين العمل النافع ، ويحملهم على ما يرضاه لهم من الحياة الرتيبة التي لا جدّ فيها ولا دأب . وكانت شياطين الاستعمار وأذنابه الذين يجلبهم من نفايات الأمم وأراذلها يجوسون خلال ديارهم ويخالطونهم ويتوددون إليهم ، وقد يتملقونهم ، وليس في نفوسهم من الود والملق شيء ، ولكن ليخدعوهم عن أنفسهم وليستجلبوا إقبالهم عليهم واطمئنانهم لهم ، فلا يزالون يختلونهم ويغررون بهم حتى إذا رأوا أن قد جازت حيلهم أخذوا يزينون لهم التواكل والخضوع ، ثم أخذوا يزهدونهم في تقاليدهم ومقدساتهم ، ثم أخذوا يشككونهم في معتقداتهم ويزعمون لهم أن هذه التقاليد والمقدسات والمعتقدات السبب الأول في تخلفهم وضعفهم ، وتحكم الأجنبي فيهم ، ثم أخذوا يلوحون لهم بحضارة الغرب وتقدمه وقوته ، فإذا استشرفت أنفسهم لشيء من هذه الحضارة جلبوا لهم منها البهرج الزائف وما يكون سببا قريبا للانحلال والتخاذل ، والاستعمار من ورائهم يغريهم ويشجعهم ويحميهم إن جدّ ما يستوجب الحماية ، وكان من أهم ما يعني الاستعمار وشياطين الاستعمار وأذناب الاستعمار أن يقطعوا الصلة التي تربط الشرق بماضيه المشرق المنير ، وأن يحولوا بينه وبين التطلع إلى حضارته التي أضاءت العالم كله يوم كانت قيادة العالم في أيدي أهل الشرق ، ويوم كانت قيادة العالم في أيدي العرب من أهل الشرق خاصة ، ذلك لأنهم يعلمون أن الشرق الإسلامي - والعرب منه خاصة - إن تلفتوا إلى هذا الماضي المجيد رأوا إشراقه وبهاءه فتاقت أنفسهم إلى العودة إليه ، وقد يعملون على إعادته ، وحينئذ لا يكون لبقاء الاستعمار بينهم مجال ، ويعلمون - مع ذلك أنه ما من أمة انقطعت صلة ما بين حاضرها وماضيها - وبخاصة إذا كان هذا الماضي مشرقا مجيدا - إلا صار أمرها إلى فناء . وطال على الشرق هذا الليل البهيم حتى نال الاستعمار بعض أمانيه ، بالإرهاب والجبروت حينا ، وبالخديعة والمكر والدسائس حينا آخر ، فإذا وحدة الشرق تتفتت ، وإذا